رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | موقع المصور والكاتب رضوان عكل - احصائيات و ترتيب

جنازة قلب


قبل أن ينام..
مازحَته قائلة: " يا رب تجرح ذقنك بكرة "..

* * *

استيقظ على صوت والدته:
- " الجنازة ستكون اليوم.. صلِ في مسجد (...) بجانب المقبرة.. ستنطلق من هناك "..

- " كان علي الاستيقاظ مبكراً ".. قالها وهو يغير ملابسه على عجل..
منطلقاً في سيارته إلى الصلاة.. أدار المذياع فانطلقت موسيقى إحدى الأغاني عالية.. كما تركها بالأمس.. استبدل الشريط بآخر لأحد الدعاة.. وأخذ يفكر بالجنازة..
ماذا سيفعل؟.. مضى على زيارته للمقبرة مدة طويلة.. هل سيتمكن من البكاء هناك؟.. هل سيتأثر قلبه المتحجر بالمشهد القادم؟..
- " تباً لهذه الحياة التي أعيشها ! ".. قالها وهو يحاول الإنصات للشيخ عبثاً .. قبل أن يغوص ثانية في بحر تساؤلاته..

* * *

في المقبرة.. تابع الجنازة لاهثاً بخطوات متعثرة.. حتى وصل إلى القبر.. أخذ يشاهدهم وهم ينزلونها بعقل ونظرات خاوية.. أيقظته صيحة أحدهم:
- " عطونا لبن الله يجزاكم الخير "..
بحث حوله حتى وجد بعضه مكوماً جانباً.. أخذ ينقلها وعقله لا يزال في حالة جمود.. لم تكفهم اللبنات فشرع في البحث عن المزيد.. وجد إحداهن في مكان بعيد فحملها على كتفه وعاد بها..
انتهوا من وضع اللبن.. وبدئوا بإهالة التراب عليها وهو معهم.. انطلق في التفكير وهو ينقل نظره بين أفراد عائلته الأصغر سناً.. نظرة اللامبالاة تنتشر بينهم..
-" حانت اللحظة ".. بدأ الجمع ينفض ولم يبقَ إلا المقربون إليها وأفراد العائلة..
أخذ يدعو لها بكلمات مبعثرة.. منذ زمن لم يرفع كفيه إلى الله.. أحس بغصة لم يدر سببها.. ثم بدمعة بلا طعم تسيل على خده ببطء.. تفاجأ.. وسرعان ما أخذ يدعو بحرارة أكبر.. وتعثر أقل.. وتلاحقت الدمعات.. وصارت واضحة وهي تنهمر من تحت النظارات السوداء..
ارتفع صوت نشيجه.. وانخرط في بكاء هستيري تصاحبه دعوات متقطعة لها وله..
وأحس بشيء من اللذة.. وهو يرقب نظرات أصدقائه التي ترمقه باستغراب.. وبعض الغيظ.. ثم أزاح الفكرة من رأسه محاولاً الحفاظ على سمو اللحظة..
بعد ساعة.. كان آخر المغادرين..

* * *

على مائدة الطعام.. كان يحكي لوالدته عن الجنازة.. وعمن كان هناك وعن الأحوال المختلفة التي شاهدها.. وفي داخله كان يشعر بابتهاج وحماسة لم يذق طعمها منذ زمن..
كيف لا وقد أثبت لنفسه اليوم أنه لم يزل قادراً على التأثر.. على البكاء.. لم يزل قادراً على الخوف..
ابتسم لنفسه وهو يعاود الإنصات لأمه معلقة ً على كلامه : ".. ومن الطبيعي أن يصاب (...) بصدمة.. كلما ازداد بعد الإنسان عن ربه.. كلما كان تأثره أكبر في مثل هذه المواقف "..

توقفت كلماتها في حلقه.. وابتلع سعادته.. وروحانيته !..

* * *

قبل أن ينام..
سألَته عن ذقنه.. أراد أن يخبرها لمَ لم يحلقها هذا الصباح..
ثم ضحك.. وألقى دعابة أخرى !..