|
قراءة مبعثرة في نفس مبعثرة
مجرد أحاسيس..
وماذا تملك غيرها ؟
أعوام من عمرك تمضي..
ثم تكتشف أنك خاسر كبير..
كل نظرياتك خاطئة..
كل من حولك كانوا على حق..
وكل الحقائق التي امتلكتها يوماً ما تحولت إلى أوهام.. تنصع ببياض الحقيقة أكثر ألف
مرة..
..
لماذا تضعف النفس البشرية عندما تأوي وحدها إلى الوسادة ؟
ربما لأنها تثق تماماً بأنك ستكون أضعف ما يمكن وقتها.. وبأنك لن تجد العون ممن
حولك.. لأنك وحيد ها هنا..
تبدأ في التنفس بسرعة عندما يغمرك التفكير بصور واضحة للحقيقة التي كنت تتجاهلها
وتعتم عليها بأضواء النهار.. ثم تبدأ عيناك بالنزيف.. على وقع صدى قطرات الدم التي
تتساقط من ذوبان قلبك في داخلك المفرغ..
عندها.. تدرك أنك لن تنجح في السيطرة على وضعك حتى النهاية.. فتبدأ بالبحث -
متلهفاً - عن مساعدة خارجية وأنت لا تزال تحاول جاهداً الإبقاء على تماسك أعصابك..
ولكن بمجرد أن تدرك أنك وحيد - وغالباً لن تحتاج أكثر من شهقتين لذلك - ينتابك شعور
مدمر بالفزع يتراقص على أنقاض آخر الأعصاب المتماسكة حول قلبك.. وعقلك..
فتتساقط - جسداً وروحاً - تحت تأثير معزوفة طويلة من العويل والنحيب.. باحثاً عن أي
شيء يضمك إلى صدره.. حتى لو كان جدار غرفتك..
مجرد اكتشاف الحقيقة.. وأنك لن تستطيع العثور على صدر أو حتى جدار.. يغمد سكيناً
هائلة في صدرك تقنعك أن كل مشاهد الموت السابقة كانت مجرد مزحة صغيرة مقارنة بما
سيحدث بكَ الآن..
فتنهار بجانب السرير - ساحة المعركة - معلناً هزيمتك الساحقة.. راجياً سيف
الخلاص..!
..
تعتقد أنهم ملزمون بقراءتك؟ والإحساس بك؟ والتفاعل.. ثم التألم من أجلك ؟
لماذا.. ؟ ومالذي قدمته أنت لمن حولك سوى بعض الحروف المبعثرة التي تتصاعد منها
رائحة الكبرياء القاتلة..
الآن.. والآن فقط.. تعلم أنك لاشيء.. وأن 1+1 = صفر..
ولولا قلوب استمرأتَ أنتَ جرحها والعبث بها.. لما كنت شيئاً.. حتى "اللا شيء"..!
..
بالأمس اكتشفت أن وسادتك باردة بما يكفي لتمنح بعض الدفء الجليدي لقلبك المتجمد
بعذابه..
فضممتها إليك بكل قوة محاولاً القبض على لحافك بأقصى ما يمكنك هذه المرة وأنت تلعن
نفسك الدنيئة لأنك سمحتَ لصوتكَ اليوم بأن يغادر أبواب غرفتك الصغيرة.. ويتسبب في
قلق والدتك.. تلك المخلوقة الأعظم..
ومن أنتَ لتقلق من حولك وتأخذ من وقتهم تلك اللحظات الثمينة لتهدرها في تمنعك
السخيف أمام أسئلتهم المتلهفة ونظراتهم المقتولة خوفاً على من لا يستحق..؟
..
تتمنى من ربك - مراتٍ معدودة - أن يكرمك بالوفاة عاجلاً غير آجل.. ثم تكتشف أنك
أجبن من أن تلقاه الآن فتتراجع.. ثم تحاول عبثاً القيام بموازنة عقلية لتتحقق من
فرصك في الحصول على مكان لائق في الآخرة لتكتشف أن قطاراً يحمل لافتة "الخلود"
يقتحم عقلك بشكل مفزع مدمراً كل توازن للإشارات العصبية مما يضطرك إلى الإغلاق
بكلتي يديك على فوهتي أذنيك لمنع تلك الإشارات من التسرب وأنت تحاول - عابثاً -
تخيل هذه الفكرة بشكل منطقي بعض الشيء..
تفشل.. وهذا شيء طبيعي.. فتفكر جدياً بالتوصل إلى حل.. هذه العملية بحد ذاتها مرهقة
مما يجعلك تصمم على وضع لهذه المهزلة بأسرع ما يمكن دون المزيد من التفكير..
فتمتنع عن تناول الطعام والشراب ومزاولة أي نشاط سوى عد البثور التي تتزايد في سقف
غرفتك المظلم مع استمرار التحديق الفارغ فترة أطول..
ولا تجدي هذه الطريقة لأنك أضعف من أن تصمد أمام طبيعتك البشرية فتقرر الانتهاء من
المسألة بشكل مباشر وفعال.. ولكن لأنك ما زلت مبتدئاً في الطرق الفاعلة تضطر إلى
الاعتراف في النهاية بأنك تشابه قط الحارة في تعدد أرواحك التي ما زالت مصرة على
استجداء دمائك تحت عجلات مركبات الدنيا التي لا ترحم حتى آخر قطرة..
فتبقى روحك معلقة كغصة في حلقك.. وتبقى أنت غصة في الزمن المحيط بك..
..
إيمانك يقتلك..
تقول لمَ أنا؟ ما ذنبي؟
وفي مرات أخرى.. تفضل لحظات معينة في دنيا زائلة على نعيم مقيم.. وقلب مطمئن..
لكنك لا تجرؤ على التصريح بذلك.. لأنك تعلم أنك مؤمن.. وأن أفكارك خاطئة لا ريب..
وأن الحل يكمن في التمسك بذلك البصيص المتضائل يوماً بعد يوم في داخلك.. لكنك - إذ
تستنفد كل طاقتك في اكتشاف هذه الحقيقة - لا تملك ما يكفي للتعلق بالحافة.. لتهوي
مرة أخرى وأنت لم تدرك بعد أنك تجاوزت شفا الهوة السابقة.. تهوي إلى جب أعمق..
يدميك ولا يقتلك..
..
ثم تأتي الآن.. وترغم من حولك على تحمل هذا القيء.. مستغلاً نقاوة قل أن تجد مثيلا
لها في دنياك الموحلة..
وتعلم أنك بعد لحظات.. ستعود إلى طبيعتك.. تضحك بل ترقص.. وتشاكس هذا.. وتتطفل على
هذا.. وتتقن لعب دور الطفل مع الجميع..
وتتجاهل تلك الجراح التي أتقنت نكأها في قلوب أحبة كان ذنبهم الوحيد هو السماح لك
باحتلال مساحة لا تستحقها في دواخلهم..
ألا تباً لك.. ولحبك.. !
|