رتب لخدمات احصائيات و ترتيب المواقع | موقع المصور والكاتب رضوان عكل - احصائيات و ترتيب

هذيان إلكتروني


مطر
مطر
مطر
..

ألصق وجنتي بزجاج النافذة التي تشع بروداً محبباً للنفس.. بينما تنعم الأخرى بدفء الغرفة الذي يوحي به ذلك المصباح الأصفر الصغير المنطوي على نفسه في الزاوية..
فيصبح أنفي – باحمراره – مؤشراً لقياس الاختلاف في درجة الحرارة بين الوجنتين/العالمين..
أتأمل الدنيا من خلال القطرات المنسكبة بإصرار على وجه النافذة الآخر.. فتغدو مشوهة.. كحقيقتها..
وأعيد بصري إلى عالمي.. غرفتي الصغيرة.. بكآبتها المميزة.. والتي زادها ذلك الضوء الأصفر - المذكور بالأعلى - حدةً واقعية..

توك توك توك..
لأني لم أصب بالصمم بعد - كما أتمنى - وجَدَت تلك الطرقات الخفيفة طريقها إلى مسامعي بين دوي الرعد وضرب الأمطار.. فشدت انتباهي من أذنه/أذني إلى النافذة.. لأجد عصفوراً صغيراً مبللاً حتى أعماقه.. ينظر إلي بسأم شابَهُ بعض الغضب.. ويصيح بلهجة خالية من الإثارة - وإن لم تنقصها السخرية : You got a mail !

أفتح طرف النافذة لـ كيوبيد - كما تخبر اللوحة المعلقة بعنقه - ليجد طريقه للداخل.. محاولاً الحفاظ على أكبر كمية ممكنة من الأمطار في الخارج..
بحركة مفاجئة أشبه بانتفاضة.. يبدأ في التخلص من البلل الذي يضايقه على حساب الجفاف الذي تعانيه محتويات غرفتي البسيطة بعد أن منعت عنها - وهي الأقرب إلي - دموعي..
انتهى كيوبيد من حركته الغريبة.. وإذ يبدو سعيداً بوضعه الحالي؛ أنحني قريباً من أذنه وأهمس - كأني أخفي كلماتي عن حضورٍ ليس له حضور: أأه.. لا أود الإساءة.. ولكن حركتك السابقة.. أظنها خاصة بالقطط..؟
- ربما.. ولكن لا تنسى أنك تهذي !
- أها..
- نعود لموضوعنا.. هناك رسالة جديدة تدعوك لقراءتها.. أتريد "تحميلها" أم أنصرف لأكمل عملي؟
يبدو واضحاً من لهجته أنه لا يملك وقتاً لمساعدتي على التخلص من وحدتي.. إضافةً إلى أن الرسالة التي أتى بها بالتأكيد تهمني أكثر من قضاء الأمسية مع عصفور أحمق ومتعالي يدعو نفسه كيوبيد !
ولأن الشعور متبادل.. هيأت له سلك البيانات ليبدأ في نقل الرسالة إلى جهازي.. بينما أغرق في تفكيري بعدما أغرقني هو بالمياه..
"اليوم صباحاً كنا سوية.. لمَ ترسل الآن هذه الرسالة في هذا الجو؟" خاصة وأنا أدرك مدى رقة قلبها..

- Installation completed !
ينعق بها عصفور البين.. ( صرت أتشائم من الرسالة قبل رؤيتها! ) معلناً انتهاءه.. ورغبته بالرحيل..
أفتح النافذة - بلا حرص هذه المرة - لأطلق سراحه غير آسفٍ عليه..
وبعد تردد لا يتناسب مع لهفتي.. أبدأ في القراءة:

"
حبيبي..
أتمنى أنك بخير..
نظراً لعدم قدرتك على دفع الرسوم المتوجبة عليك لامتلاك قلبي من أحاسيس ومشاعر وواجبات اتجاه الحبيب..
تقرَرَ إخلاؤه منك.. ومن كل أثر لك..
وإذ أمتلئ أسفاً.. لا أملك فعلاً ما.. فالقرارات الكونية ليست بأيدينا..
مرةً أخرى.. أتمنى أن تكون بخير..

يعتبر القرار فاعلاً ساعةَ صدوره.

تنويه:
تغير "حبيبي" إلى "حبيبي سابقاً" بعد القراءة.. حفاظاً على اللوائح والأنظمة.
"

دقائق..
وربما أكثر أو أقل..
أقف - وربما كنت جالساً - أمام الشاشة.. بلا حراك.. ولا مشاعر..
مجرد محاولة ضئيلة تحاول إيجاد طريقها إلى قلبي داخل أروقة عقلي المعقدة لئلا يصاب الأول بسكتة مفاجئة تتسبب في تعثر سير الوظائف العام داخل الجسد..
محاولة لإقناعي أنني كنتُ أتوقع هذا الشيء قبلاً.. حفاظاً على ماء وجهي من أن يقال غداً: تفاجأ..

تجد يدي طريقها إلى زر الرد.. فينبثق حبل صغير يمتد بسرعة خيالية ويأتي بعنق كيوبيد - مع جسده بالطبع - وهو يصيح بأصوات غير مفهومة أشبه بـ "بقبقة" الدجاج..
خلال هذه المعمعة التي تسببت بتخلل الجو العام لعالمي/الغرفة يلحظ الأستاذ أنني أتأمله باستغراب.. فيعيد تعليقه السخيف على مسامعي: لا تسأل.. أنتَ تهذي.. لا تنسى !
ثم يكمل بنبرة مختلفة: لماذا أتيت بي؟
- حدد لي موعداً مع صاحب المنجل والعباءة.. في أقرب وقتٍ يناسبه..
- آسف.. هذه الرسائل ليست من اختصاصي.. استدعي رسول الجحيم/شارون..
- لم يعد قادراً على الطيران.. ويبدو أنه قرر البقاء بعيداً عن الجحيم لقليل من الوقت.. ألا تستطيع أنت أن تبلغه.. كخدمة؟ أعدك.. لن أطلب شيئاً بعدها.. أبداً !
- لا يا شيخ !.. ثم استعاد وقاره وأوضح: أنا رسول الأحبة فقط..
- .. وأنا أحبه الآن !

بعد القيام بإجراءات المعاملة.. وتثبيتها في السجلات.. أصبحت عنقي مؤهلة للحصول على أرقى ضربة - قد تتلقاها عنق من المنجل الدامي أبداً - في أية لحظة..
قبل اللحظة بلحظة.. تمتم صاحبنا: سعادة غير متوقعة تنتظرك..
..
وهوى بمنجله..

بين آلاف القلوب هناك.. ألمح قلباً متميزاً.. له بريق خاص.. وسحر لا يضاهيه أحد.. كأنني أعرفه؟
أتساءل.. وفي اللحظة التالية لسؤالي أجيب بدهشة لا أسعها: نعم.. ذاك قلبها !
بادرتني بإغلاق فمي بلطف - وهي تعلم أنني موشك على الانفجار بالأسئلة والاعتذارات - وهمست: كنتَ مميزاً لدي.. وبكَ كنتُ أتميز.. ولأنني - كعهدي - لا أقبل بالتنازل.. قررت التمرد على القوانين الكونية.. وكان أن نفيتُ إلى هنا.. أترضى بي مؤنساً لوحدتك؟