|
أحبكِ
هل تعلمين يا غالية كم كابدتُ نفسي وجاهدتها حتى لا أفصح عن سري العظيم أمامك ؟ كنت
أتشرب صوتكِ في مسامعي وعقلي جوارحي كلها .. كنداء الآلهة الأعظم في رعاياها ،
فتخرج خلايا جسدي وقطرات دمي ملبّيةً حاجّةً إلى معبدكِ : قلبي .. وهي تضج بالنداء
الموحِد الخاضع ، المسلم بالماضي والآتي : أحبك .
كنتُ أمنع نفسي من أن تبوح بهذا التضرّع الخاشع فأغلق أمامه معاريجَ صوتي المختنق
بالشوقِ إليك .. وأكتفي بهمهماتٍ يملأ صداها الفراغَ الشاسعَ الذي خلّفه صومي عن
عبادتكِ ..
نعم يا سيدتي ، أقر بأني كبحتُ جماحي وأمسكتُ نفسي عن الطاعة والامتثال ، وجاهرتُ
بعصيانكِ علانيةً على مسمعٍ ومرأى منكِ ومنّي ، ولا عذرَ لدي سوى أني كنتُ كالغريقِ
اليائس ، ما عاد يرى في الأفق سفن الخلاص وخارت قواه فما يقدر على السباحة ..
وبينما هو ينتظر الموت المقدر باغتته مركبة النجاة وأسعفته فبات لا يقدر على
التصديق .. وغلب هذيانُهُ عقلَه فرأى في المركبِ سراباً .. ورأى الخلاصَ وهماً لا
محالة ..
حبكِ يا سيدة النساء كان خلاصيَ الذي فاقَ طعم الحياةِ عذوبة .. والنعيم الذي تجاوز
جنة أحلامي .. فكيف تبغين منّي أن أصدق أنني أنا – دون غيري – هو ذلك المحظي
بالحياة على يديكِ ، بعدما كنتُ لأشنعِ الميتاتِ أقرب ؟
فلما تيقنتُ أنكِ النعماء المجردة ، وأن نعيمي هذا قائمٌ بين يديكِ حقيقةً لا جدال
فيها .. عدتُ منيباً تائباً في رحابكِ أرجو العفو والغفران .. مسبحاً ومهللاً
ومقدّماً شفاعتي : أحبكِ .
آهٍ يا مليكتي .. كيفَ امتلكتِ القدرة على تجميع أشلائي المبعثرة بجراحِ السنين
الغادرة وأعدتها في حالٍ أحسنَ مما كانت عليه ؟ كيف استطعتِ جبلي وتكويني على حبّك
والتوجه بقبلة قلبي إليك ، وأنا البائسُ كنت ، الشريد كنت ، المستعصي على نساء
الأرض والمستمنع أمام فتنتهنّ جميعاً ؟
أيتها الأنثى ، ولا أنثى إلاك .. خلقتِني بحبك ، وأحطتِني بظلالٍ عجزت غيركِ أن
تمنحنيها ..
يا ربة القلب ، ها هو العاشقُ المجنون ، صاحبُ الرسالة الأسمى في العشق .. يعترفُ
أنكِ دون غيركِ قد ملكتِه ، وأن حبكِ غدا كونَه .. وبأنه ، يحيى بكِ لأجلك .
فلا تقتليه يا فاتنة ، لا تقتليه ..
سيدتي ، أحبكِ ..
|